القاضي عبد الجبار الهمذاني

8

المغني في أبواب التوحيد والعدل

إن كان المعلوم أنه سيفعل فسيمكنه ، وإن كان المعلوم أنه إن بقي على اختياره لم يفعله فسيجبر عليه أو يلجأ إليه . وكما يقولون فيما هذا حاله إنه واجب ، فكذلك يقولون فيما يختار عنده الانصراف من فعل ما كلف ، أو اختيار القبيح الّذي نُهِى عنه وكره منه : أنه تعالى لا يفعله . وإن كان من فعل غيره ، فإما أن لا يقع باختياره ، أو يمنعه تعالى من إيقاعه أو يصرفه عنه . وإنما الخلاف فيما يكون من فعل نفس المكلّف . فعند أبى على « 1 » ، رحمه اللّه ، أنه يجبره عليه لا محالة إذ كان لطفا له في سائر ما كلّف . وعند أبي هاشم « 2 » ، رحمه اللّه لا يجب ذلك ، ويكفى فيه التمكين والتعريف على ما نبينه ، وما عدا ذلك من الخلاف بين شيوخنا ، رحمهم اللّه فهو كلام في وقوع اللطف وشروطه وصفاته ، ومفارقته للتمكين والمفسدة إلى غير ذلك . ولكل ذلك فصل مفرد نبيّن القول فيه ، وإنما قدّمنا القول في هذا الباب ، لأن ما نريد أن نذكره من بعد مبنىّ عليه ؛ كالكلام في الأصلح ، والكلام في الآلام ؛ ووجوه الحكمة فيها ، واختلاف الناس في وجوهها وأبوابها ، وكالكلام في النبوّات . وسنفصله ، ونذكر فيه ما لا يكاد يوجد مجتمعا إلا فيه ، لأنه يقل في الكتب ولا يكثر ككثرة غيره .

--> ( 1 ) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي المتوفى سنة 303 ه . كان معتزلة البصرة في زمانه على مذهبه ، ثم انتقلوا بعده إلى مذهب ابنه أبى هاشم . ( 2 ) هو عبد السلام بن أبي على الجبائي المتوفى سنة 321 ه . يقول عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429 ه . وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه ( الفرق بين الفرق : ص 111 ) .